لونا فرحات تسبب العدوان الصهيوني على لبنان إلى نزوح أكثر من 1.6 مليون لبناني، أي خُمس سكان البلاد تقريباً، بما في ذلك 370 ألف طفل، وواجهوا ظروفاً إنسانية صعبة، مع اكتظاظ مراكز الإيواء ونقص الغذاء والدواء والخدمات الأساسية. التمويل الدولي لا يغطي سوى جزءاً صغيراً من هذه الاحتياجات. وتُشير البيانات إلى أن أكثر من 136 ألف نازح، يشكلون حوالي 35 ألف أسرة، يقيمون في 375 مركز إيواء جماعي ومع ذلك، لا يزال 85% من النازحين يعتمدون على حلول. إيواء غير نظامية، مثل الإقامة مع عائلات مضيفة، أو في مساكن مستأجرة، أو خيام مؤقتة، أو حتى داخل سياراتهم الخاصة .
تؤكد مبادئ القانون الدولي على مسؤولية الدولة الأساسية في منع النزوح، وحماية النازحين داخليًا ومساعدتهم، وإيجاد حلول مستدامة لهم ولتحقيق ذلك، يجب على الدول وضع أطر وسياسات وطنية وآليات تنفيذ فعالة للاستجابة لاحتياجات النازحين و ضمان سلامتهم .إن مسؤولية الدولة عن توفير الحماية القانونية للنازحين هي التزام وطني وقانوني بموجب الصكوك الدولية والسؤال الذي يطرح هنا هل تلتزم الدولة اللبنانية بمعاير الحماية القانونية المعترف بها للنازحين في القانون الدولي ؟
الحماية التي يوفرها القانون الدولي الإنساني للنازحين داخلياً
النازحون هم الأفراد أو الجماعات الذين أُجبروا على ترك منازلهم أو أماكن إقامتهم المعتادة داخل حدود دولتهم نتيجةً للنزاعات المسلحة، أو العنف، أو الكوارث الطبيعية . وهو وصف لحالة واقعية لا يمنح النازحين وضعًا قانونيًا خاصًا أو حقوقًا إضافية كاللاجئين، بل يحتفظون بحقوق المواطنة كاملة. فالنازحون يُجبر ون غالبا على المغادرة ولا يتمكنون من العودة بسبب المخاطر، أو عدم قدرة الدولة أو رغبتها في حمايتهم، أو منعهم من العودة، أو تدمير منازلهم. نتيجة لذلك، يفقد النازحون مأواهم وممتلكاتهم ومصادر دخلهم، مما يعرضهم للفقر والتهميش والاستغلال لذا،يواجه النازحون تحديات كبيرة، أهمها توفير المأوى وتلبية الاحتياجات الأساسية. كما أن انتقالهم إلى مناطق جديدة قد يعرضهم للتهميش والتمييز والعداء، وقد يؤدي إلى تفاقم التوترات نتيجة الاكتظاظ والتنافس على الموارد الشحيحة .يؤكد الاقنون الدولي أن النازحين داخلیاً يشكلون جزءاً من السكان المدنیین وبالتالي یحق لهم الحصول على الحمایة المكفولة لجمیع المدنیین ،شريطة ألّا يشاركوا مباشرة في الأعمال العدائية وفقا للمادتين 4 و27 من اتفاقیة جنیف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب. وتأخذ قوانين النزاع المسلح الداخلي والنزاع المسلح الدولي في الاعتبار أن النزاع المسلح قد يؤدي إلى حدوث هجرات سكانية كبيرة بيد أن اقتلاع أقليات أو مجموعات سكانية معينة من المجتمع قد يكون سياسة مقصودة أو هدفًا عسكريًّا ما بحد ذاته، ولهذا السبب ينص القانون الدولي الإنساني على أحكام معيَّنة لحماية مصير المشردين أو النازحين داخليًّا .علما أنه لا توجد اتفاقية تتناول مسألة النازحين تعادل الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين المعتمدة في 28 تموز/يوليو 1951 والنافذة في 22 نيسان/أبريل 1954، ولكن حماية النازحين داخلياً يكفلها القانون الدولي الإنساني ويعتمد ذلك بشكل أساسي على اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولين الإضافيين لعام 1977، والمبادئ التوجيهية حول النزوح الداخلي 1998 التي توفر إرشادات مفيدة بشأن جوانب محددة للنـزوح .وتأتي اهمية القانون الدولي الإنساني في مجال النزوح الداخلي أنه يعمل على الحيلولة، أولاً وقبل كل شيء، دون نزوح السكان، ويحظر نزوح السكان إلا إذا كان ذلك ضرورياً لأغراض عسكرية قهرية أو لحماية المدنيين أنفسهم ويشكل اتباع سياسة واسعة النطاق أو سياسة منهجية لنزوح المدنيين دون هذا التبرير جريمة ضد الإنسانية وجريمة حرب .
حظر التهجير القسري
تعرّف اتفاقيات جنيف الأربع المؤرخة في 12 آب/أغسطس 1949 والبروتوكولان الملحقان بها لعام 1977 جرائم الحرب بأنها الانتهاكات الجسيمة للقواعد الموضوعة إذا تعلق الأمر بالتهجير القسري؛ فالمادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 حظرت النقل القسري الجماعي أو الفردي للأشخاص أو نفيهم من مناطق سكناهم إلى أراضٍ أخرى، إلا في حال أن يكون هذا في مصلحتهم بهدف تجنيبهم مخاطر النزاعات المسلحة .
الحق في العودة الطوعية
وبموجب القانون الإنساني الدولي يحق للأشخاص النازحين العودة الطوعية الآمنة إلى منازلهم أو أماكن الإقامة الاعتيادية في أقرب وقت تنتهي فيه أسباب نزوحهم في أوضاع النزاع المسلح و يجب أن لا تخضع العقارات والممتلكات إلى أعمال السلب والنهب أو الاعتداءات المباشرة أو العشوائية والتي تُستخدم كغطاء للعمليات أو الأهداف العسكرية أو تدميرها أو الاستيلاء عليها بغرض الانتقام أو كعقوبة جماعية .
عدم التمییز بين النازحين
یجب أن یعامل النازحون معاملة إنسانیة، ولا یجوز التمییز ضدهم على أساس نزوحهم أو لأي سبب آخر. ومن الاهمية بمكان ألا یقضي القانون النافذ بمعاملتهم على نحو أقل تفضیلاً من عامة السكان، ویُعامَل الأشخاص المحمیون معاملة إنسانیة دون أي تمییز ضار، أو من استضعاف من نوع خاص نظراً إلى حالة النزوح التي یتعرضون لها، (المادتان 3 و27 من اتفاقیة جنیف الرابعة، المادة من البروتوكول الإضافي الأول، المادة 2 من البروتوكول الإضافي الثاني.)
حماية الأموال والممتلكات للمدنيين
وفقاً للمادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة یحظر سلب أموال المدنیین وممتلكاتهم أثناء حالات النزاع المسلح، أو تعریضها للهجمات المباشرة أو العشوائیة، بموجب البروتوكول الإضافي الأول المادة أو استخدامها كغطاء أثناء العملیات العسكریة أو أن تكون محـلاً للهجوم أو تعریضها لتدابیر الاقتصاص بتدمیرها أو الاستیلاء علیها، أو تعریض المدنیین للعقوبات الجماعیة كما في نص المادة 75/2/د من البروتوكول الإضافي الأول. ويجب في جميع الأحوال، حمایة الأموال والممتلكات من التدمیر أو الاستیلاء التعسفي وغیر القانوني، وشغلها أو استخدامها والحق في استعادتها.
الحق في الحیاة والكرامة والحریة
یتعین احترام حیاة النازحین داخلیاً وكرامتهم ولا یجوز أن یكون النازحون – كما هي الحال بالنسبة إلى المدنیین كافة محـلاً للهجوم ما لم یقوموا بدور مباشر في الأعمال العدائیة ولا یجوز أن یكون النازحون عرضة للعقوبات الجماعیة، ويحرَّم استخدامهم كدروع بشرية؛ كما قررته أو أخذهم كرهائن بالإضافة إلى ذلك ینبغي حمایة سلامتهم البدنیة والعقلیة .
الرعاية الصحية ومستوى المعیشة الضرورية
یجب اتخاذ جمیع التدابیر الممكنة في حال وقوع النزوح حتى یحصل النازحون على مستوى مُرضٍ من النظافة والصحة والتغذیة والسكن، وقد یشكل التقاعس عن الوفاء بهذه المتطلبات مخالفة جسیمة و یحظر استهداف المواد الغذائیة والمحاصیل والماشیة وإمدادات میاه الشرب أو أشغال الري، كما أن تجویع المدنیین كأسلوب من أسالیب الحرب يعد جریمة حرب بمقتضى نص المادة (54/1) من البروتوكول الإضافي الأول والمادة (14) من البروتوكول الإضافي الثاني والمادة (8/2/ب من النظام الأساسي للمحكمة الجنائیة الدولية .
وحدة الأسرة
تلزم المادة (82/2، 3) من اتفاقیة جنیف الرابعة والمادة (75/5) من البروتوكول الإضافي الأول جمع أفراد العائلة الواحدة معاً في المخیمات أو بصفة عامة في أي مأوى عام آخر وینبغي اتخاذ جمیع الخطوات المناسبة لتیسیر لمِّ شملهم .

حماية النازحين في الصكوك الوطنية
تقع مسؤولية منع النزوح وحماية النازحين داخليًا وغيرهم من الفئات المتضررة داخل الدولة على عاتق السلطات الوطنية ويوفر القانون الوطني حماية أكبر للمجتمعات النازحة من خلال معالجة أسباب ومراحل النزوح، وتوفير أساس تنظيمي قوي للسلطات المسؤولة عن النازحين داخليًا للتعامل مع مختلف حالات النزوحوفي الحالات التي تحتاج فيها الدولة إلى دعم أو لا تكون فيها الحماية الوطنية مضمونة، يقع على المجتمع الدولي عبء القيام بدور الحماية. التي تشمل الفئات المتضررة في سياق النزوح الداخلي والمجتمعات المضيفة للنازحين، والمجتمعات المضيفة في مناطق عودتهم، بالإضافة إلى المحاصرين بالقتال أو غير القادرين على الفرار بسبب التوترات العسكرية أو غيرها. ويقصد بالحماية هنا الاحترام الكامل والمتساوي لحق سائر الافراد بدون تمييز كما هو منصوص عليه في القانون الوطني والدولي . ولا تقتصر الحماية على الابقاء على قيد الحياة والامن البدني بل تغطي سائر الحقوق بما فيها الحقوق المدنية والقانونية كالحق في حرية التنقل والحقوق السياسية والتعليم والصحة.
تتعرض الحكومة اللبنانية لانتقادات حادة بسبب تعاملها مع ملف نازحي الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت . وتتركز الانتقادات على غياب خطط طوارئ واضحة والعشوائية في القرارات الميدانية وسوء إدارة مراكز الإيواء المكتظة التي تفتقر للخدمات الأساسية، بالإضافة إلى نقص التمويل اللازم لتلبية الاحتياجات الضرورية، وغياب أي خطط للتعويض أو لعودة النازحين الآمنة إلى ديارهم . ويتلقى النازحون حاليا مساعدات من وكالات متعددة تتقاسم مسؤوليات الإغاثة. إلا أن هذا التنسيق أدى إلى تشتت المسؤولية عن حمايتهم . التخبط والعشوائية في إدارة ملف النازحين اللبنانيين يعود اساسا إلى غياب التشريعات الوطنية التي تتناول كيفية التعامل مع النزوح الداخلي سواء كان ناتجا عن كوارث طبيعية او ناتج عن نزاعات مسلحة . إن هذه التشريعات من شأنها تحديد الاليات والجهات المختصة والصلاحيات وطرق التنفيذ وضمانات توفير الحماية اللازمة للمواطنين النازحين بما يكفل حماية حقوقهم الاساسية . ورغم تعرض لبنان وخصوصا جنوبه لاكثر من مرة لنزوح قسري منذ العام 1948 مرورا بالنزوح الناجم عن اجتياح العدو في العامين 1978 و1982 وفي العام 1993 و1996 ثم عام 2006 وصولا إلى العام 2023 و2024 إلى تاريخه ،تفتقر البنية التشريعية اللبنانية إلى قانون داخلي موحد ومفصل مخصص لمواجهة مسألة النازحين قسراً . لذلك، تعتمد الدولة اللبنانية حاليا على مزيج من الآليات الدولية الملزمة، ومبادئ حقوق الإنسان الأساسية الواردة في الدستور اللبناني، إلى جانب استجابات طارئة تديرها مؤسسات الدولة بالتعاون مع المنظمات الدولية والمحلية، الأمر الذي يحتم على المشرع اللبناني اتخاذ خطوة نوعية من اجل تنظيم عملية حماية النازحين من خلال وضع تشريع وطني يتضمن المباديء الاساسية الراسخة في القانون الدولي الانساني.
