لونا فرحات، سوزان هاشم، فداء عبدالفتاح، عمر نشابة، فاطمة خشاب، سوزان مكي، نائلة نحلة ليس هناك مجال للمواربة. ليس هناك مساحة للرماديات. في لحظة يُقصف فيها لبنان، وتُهدم بيوته، ويُقتل أبناؤه، فإن الجلوس إلى طاولة التفاوض مع العدو الإسرائيلي ليس “خيارًا سياسيًا”، بل خيانة صريحة تُرتكب بحق هذا الوطن.
أي منطق هذا الذي يجعل السلطة تفاوض من يقصف شعبها؟ أي عقل يقبل أن يتحول الدم اللبناني إلى ورقة ضغط على طاولة مفاوضات؟ هذا ليس بحثًا عن سلام، بل تسويق للاستسلام تحت عنوان “الواقعية”.
وهنا لا بدّ من التذكير ببعض البديهيات القانونية، فالكيان الإسرائيلي هو عدوٌ يُحظر التعامل او التواصل معه بأي طريقة من الطرق وذلك بناءً على قانون مقاطعة إسرائيل الصادر عن المجلس النيابي اللبناني عام ١٩٥٥ والمرسوم الإشتراعي رقم 12562/1963, وقانون العقوبات يجرم في مواده من ال ١٠٣ الى ١١١ التواصل والتعامل مع العدو. كما أن لبنان بحالة حرب مع إسرائيل وفقا لقانون الدفاع الوطني /المرسوم الإشتراعي رقم ١٠٢/١٩٨٣. عدا عن كل البيانات الوزارية والقرارات الصادرة عن مديرية الامن العام، وبالطبع عشرات الالاف من القرارات الصادرة عن المحكمة العسكرية في هذا الصدد. ما يعني أننا امام خرق واضح للقوانين اللبنانية النافذة، لا بل ارتكاب جريمة الخيانة العظمى المكتملة الأركان والمعالم؛ اذ ان أي طريقة من طرق التطبيع مع العدو هي غير مشروعة طالما تلك القوانين ما تزال نافذة ولم يتم إلغاؤها او تعديلها من قبل المجلس النيابي.
أما القانون الدولي فهو واضح، لا لبس فيه: ما يُنتزع تحت التهديد والقوة هو باطل. ميثاق الأمم المتحدة يجرّم الإكراه، ويُسقط شرعية أي اتفاق يُفرض تحت النار. فكيف إذا كان التفاوض يجري بينما العدوان مستمر؟ هذا ليس تفاوضًا، بل إملاء شروط من طرف مسلّح على طرف يُطلب منه أن يوقّع على ضعفه.
ومن يروّج لهذا المسار، يتجاهل عمدًا دروس التاريخ. تجربة اتفاقية أوسلو ليست بعيدة. قيل يومها إن السلام قادم، فإذا بالواقع يتحول إلى مزيد من السيطرة والهيمنة. لم يكن ذلك خطأً في التنفيذ، بل نتيجة طبيعية لمسار تفاوضي مختل من أساسه. واليوم يُعاد المشهد نفسه، لكن بوعي كامل، وبإصرار أخطر.
التفاوض مع مرتكبي جرائم الحرب والإبادة الجماعية الآن يعني شيئًا واحدًا: فتح باب التنازلات. تنازل اليوم، تنازل غدًا، حتى تصبح السيادة مجرد شعار فارغ. هذا هو المسار الحقيقي، مهما حاول البعض تجميله بكلمات مثل “التهدئة” و”الاستقرار”.
والأخطر من كل ذلك، أن هذا التفاوض يُمنح في لحظة تُرتكب فيها انتهاكات جسيمة بحق المدنيين. أي رسالة تُرسل هنا؟ أن الجرائم لا تمنع الحوار، بل تفرضه؟ أن القصف طريق مختصر إلى الطاولة؟ هذا انقلاب كامل على أي معيار أخلاقي.
داخليًا، هذا القرار لا يمثل إجماع اللبنانيين، بل يُفرض عليهم. يُطلب من شعب منقسم، جريح، تحت النار، أن يقبل بمسار لم يختره. وهذا بحد ذاته اعتداء على الإرادة الوطنية، لا يقل خطورة عن أي ضغط خارجي.
الحقيقة التي يحاول البعض الهروب منها واضحة: التفاوض في هذه الظروف ليس دفاعًا عن لبنان، بل تخلٍّ عنه. ليس حماية للسيادة، بل تفريط بها. وليس خطوة نحو السلام، بل تكريس لواقع مفروض بالقوة.
هذه ليست لحظة سياسة عادية. هذه لحظة يُختبر فيها معنى الوطن نفسه.
إما موقف واضح يرفض الإذعان، أو سقوط مدوٍ يُسجّله التاريخ بلا رحمة.

