عمر نشابة, لونا فرحات في لحظة تاريخية ارتكب فيها الكيان الإسرائيلي جريمة الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني، يطفو في لبنان نقاش حول التفاوض المباشر والتطبيع مع "إسرائيل". هذا النقاش، بصيغته الحالية، لا يعكس مجرد اختلاف سياسي داخلي، بل يكشف خللاً عميقاً في فهم طبيعة الالتزامات القانونية الدولية التي تقيّد سلوك الدول، وفي مقدمتها لبنان. فالمسألة لم تعد خياراً سيادياً صرفاً، بل اختباراً قانونياً وأخلاقياً لمدى التزام الدولة اللبنانية بالقانون الدولي.
10 نيسان 2026
من حيث المبدأ، يُعدّ الاعتراف بالدول وإقامة العلاقات الدبلوماسية من صلب الاختصاص السيادي للدول. إلا أن هذا المبدأ ليس مطلقاً، بل يتقيّد، في حالات معينة، بقواعد آمرة في القانون الدولي (Jus Cogens) وفي مقدمتها حظر الإبادة الجماعية.
تفرض اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، التي انضم إليها لبنان، التزامات واضحة لا تقبل التأويل السياسي الانتقائي. فالمادة الأولى من الاتفاقية تنص صراحة على أن الإبادة الجماعية جريمة بموجب القانون الدولي، وعلى الدول "منعها والمعاقبة عليها". هذا الالتزام، كما أكدت محكمة العدل الدولية في حكمها في قضية البوسنة والهرسك ضد صربيا (2007)، هو التزام ببذل العناية الواجبة، ويُلزم الدول باستخدام كل الوسائل المتاحة لها لمنع وقوع الجريمة، سواء داخل إقليمها أو خارجه. والأهم، أن المحكمة شددت على أن مسؤولية الدولة تقوم عندما تكون على علم، أو كان ينبغي أن تكون على علم، بوجود خطر جدي بارتكاب إبادة جماعية، وتفشل رغم ذلك في اتخاذ التدابير اللازمة لمنعها.
في ضوء هذا التفسير القضائي الملزم، يطرح سؤال جوهري نفسه: كيف يمكن للدولة اللبنانية أن تبرّر الانتقال إلى مسار تفاوضي أو تطبيعي مع دولة متهمة، امام محكمة العدل الدولية، بارتكاب إبادة جماعية، في وقت يُفترض بها قانوناً أن تتخذ إجراءات لمنع هذه الجريمة، لا أن تمنح مرتكبيها شرعية سياسية؟
الأخطر أن اتفاقية الإبادة الجماعية لا تكتفي بفرض واجب المنع، بل تجرّم أيضاً "التواطؤ في الإبادة الجماعية" (المادة 3). والتواطؤ، وفق الفقه القانوني الدولي، لا يقتصر على المشاركة المباشرة، بل يشمل الامتناع عن اتخاذ تدابير ممكنة، أو تقديم دعم سياسي أو دبلوماسي من شأنه أن يخفف الضغط عن الدولة المرتكبة. وعليه، فإن أي اندفاع نحو التطبيع في هذا التوقيت الحرج قد يُفسَّر، قانوناً، على أنه شكل من أشكال الإسهام غير المباشر في تقويض الجهود الدولية الرامية إلى وقف الجريمة.
في المقابل، يُظهر سلوك عدد من الدول اتجاهاً معاكساً تماماً. فقد لجأت بعض الدول إلى قطع العلاقات الدبلوماسية أو تخفيضها، وفرض قيود اقتصادية، ودعم المسارات القضائية الدولية، سواء أمام المحكمة الجنائية الدولية أو محكمة العدل الدولية، استناداً إلى المادة التاسعة من اتفاقية منع الإبادة. كما دعت قرارات صادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة الدول إلى عدم الاعتراف بالوضع غير القانوني الناجم عن الاحتلال، وعدم تقديم أي عون أو مساعدة في استمراره.
في هذا السياق الدولي المتصاعد، يبدو الموقف اللبناني – أو بالأحرى التوجّه الرسمي لبعض أركان السلطة – خارجاً عن منطق القانون، بل ومتناقضاً معه. فبدلاً من الانخراط في الجهود الدولية لمساءلة إسرائيل، يُطرح خيار التفاوض والتطبيع، وكأن لبنان معزول عن التزاماته الدولية، أو كأن هذه الالتزامات مجرّد توصيات أخلاقية قابلة للتجاهل.
ولا يقف الإشكال عند حدود القانون الدولي، بل يمتد إلى صلب النظام الدستوري اللبناني. فمقدمة الدستور تنص بوضوح على التزام لبنان بمواثيق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وبالتالي، فإن أي سلوك رسمي يتعارض مع هذه الالتزامات يرقى إلى مستوى المخالفة الدستورية. كما أن القوانين اللبنانية النافذة تحظر صراحة التعامل مع العدو الإسرائيلي، ما يجعل أي مسار تطبيعي، دون تعديل تشريعي واضح، عرضة للطعن أمام القضاء.
الأخطر من ذلك، أن السلطة السياسية تتعامل مع مسألة التطبيع كأنها قرار إداري عادي، في حين أنها، في جوهرها، قضية مصيرية تمسّ الكيان السياسي والاجتماعي للبنان. ووفق منطق المادة 22 من الدستور، فإن القضايا المصيرية تستوجب مقاربة تمثيلية شاملة، لا قرارات أحادية تُتخذ في الغرف المغلقة، بمعزل عن الإرادة الشعبية والتوازنات الوطنية الدقيقة.
إن ما يثير القلق الحقيقي ليس الطرح بحد ذاته بل الخفة التي يُطرح بها. فالتفاوض مع دولة متهمة بارتكاب جرائم دولية جسيمة، في ظل استمرار الأعمال العدائية، لا يمكن تبريره بذريعة "الواقعية السياسية". فالقانون الدولي لا يعترف بالبراغماتية عندما يتعلق الأمر بجرائم من طبيعة الإبادة الجماعية، التي تُعد من أخطر الانتهاكات التي تستدعي أعلى درجات الحزم. وصحيح أن التفاوض التقني، الهادف إلى وقف إطلاق النار أو استعادة الأسرى أو تثبيت الحقوق السيادية، قد يجد له سنداً قانونياً ضمن مبدأ حماية المدنيين، إلا أن القفز من هذا المستوى إلى التطبيع السياسي الشامل يشكّل انتقالاً نوعياً خطيراً، يضع لبنان في موقع يتعارض مع التزاماته الدولية، ويعرّضه لمسؤولية قانونية محتملة.
في الخلاصة، إن الإصرار على الدفع نحو التطبيع في هذا التوقيت لا يمكن قراءته إلا كإخلال فادح بواجبات الدولة اللبنانية، وتجاهل متعمّد لقواعد قانونية دولية آمرة. وهو، قبل كل شيء، مؤشر على أزمة عميقة في فهم دور الدولة ووظيفتها: هل هي طرف ملتزم بالقانون الدولي، أم مجرد كيان سياسي يتصرف وفق حسابات آنية ضيقة، ولو على حساب التزاماته القانونية والأخلاقية؟
في زمن الإبادة، لا يكون الحياد خياراً، ولا يكون التطبيع سياسة. بل يصبح كل موقف اختباراً صارخاً: إما الانحياز للقانون والعدالة، أو السقوط في شبهة التواطؤ.
