Mars
آذار
05
2026
05
- آذار
- 2026
قصور العدل
في العمق
10-10-2025
 
ماذا يعني رضوخ الرئيسين لخطّة ترامب؟
  عمر نشابة  

يبدو أنّ رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون استعجل الترحيب بخطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن غزة. فصدر عنه، بعد أقل من 24 ساعة على إعلان الخطة في واشنطن، بيان رسمي من بعبدا نوّه فيه بجهود ترامب «المبذولة لإنهاء معاناة المدنيين والأبرياء في القطاع، وحقن الدماء والعمل المشترك من أجل شرق أوسط مستقر ومزدهر، استناداً إلى مبادئ العدالة الإنسانية والكرامة البشرية».

لم يذكر البيان كيف علم فخامة الرئيس بأنّ الخطة استندت إلى «مبادئ العدالة الإنسانية والكرامة البشرية»، علماً أن الإسرائيليين، بدعم مطلق من ترامب وإدارته، يواصلون إبادة البشر جماعياً في غزة منذ نحو عامين وقد ارتكبوا جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في فلسطين ولبنان واليمن وسوريا وقطر وإيران.

قبل التوسّع في شرح تجاوز خطّة ترامب لأبسط القواعد القانونية والسياسية وحتى الإنسانية، لا بد من الإشارة إلى أنّ رئيس الحكومة نواف سلام، الرئيس السابق لمحكمة العدل الدولية وسفير لبنان السابق لدى الأمم المتحدة، أصدر، كذلك، في اليوم نفسه، بياناً رحّب فيه بخطة ترامب الشاملة «لإنهاء الحرب في غزة، ولا سيما أنها تنص على الوقف الفوري لإطلاق النار، وإيصال المساعدات الإنسانية الضرورية إلى أهلها، ومنع تهجير الشعب الفلسطيني».

لكن يبدو أن نواف سلام نسي، أو أنه يتناسى، أنه ترأّس محكمة دولية كانت قد أصدرت ثلاثة أوامر ملزمة قانونياً لإسرائيل وغير مشروطة بأي اتفاق أو خطّة لوقف لإطلاق النار، بإدخال المساعدات الإنسانية الضرورية للناس في غزة. وتناسى سلام كذلك أنّ ترامب نفسه الذي رحّب بخطّته كان قد عاقب زملاءه القضاة السابقين في محكمة دولية بسبب ملاحقتهم نتنياهو لارتكابه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

لم يتوقف الأستاذ السابق للعلوم السياسية في الجامعة الأميركية عند هذا الحدّ من التهوّر في مواقفه، بل أضاف أن «الخطّة تكرّس حقّ الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلّة على أرضه».

للوهلة الأولى، قد يظنّ قارئ البيان أنّ هناك خطأ مطبعياً لأنّ خطّة ترامب لغزة مخالفة تماماً لتوصيف سلام حيث أنّ الرئيس الأميركي نصّب نفسه رئيساً لـ«مجلس السلام» الذي يشرف على لجنة الحكم الانتقالي ووضع «خطّة للتنمية الاقتصادية لإعادة بناء غزة وتنشيطها» من دون استشارة الشعب الفلسطيني أو إشراكه في تصميمها، فكيف تكرّس الخطّة «حقّ الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره»؟

هل يستخفّ نواف بك سلام، لهذه الدرجة، بعقول متابعي بياناته؟ أم أنه النخبوي بألقابه وصالوناته الفكرية والإقطاعي المتكبّر على عامّة الشعب، لا يهمّه إلا رضى أزلامه وبعض السفارات (لذا نشر البيان على حساب رئاسة الحكومة بالإنكليزية ليتمكّن الأجانب من قراءته)؟

ختم سلام بيانه بالقول إنه «ينوّه بالمقاربة الواقعية التي اعتمدتها (الخطّة) في معالجة المسائل الخلافية والإشكالية». وربما لم ينتبه الدكتور سلام، أو أنه لا يريد، عملاً بـ«المقاربة الواقعية»، أن ينتبه أنّ «المقاربة الواقعية» لخطّة ترامب، وإعجابه كرئيس حكومة بها، وترحيب رئيس الجمهورية بها، تتجاوز أبسط المبادئ الدستورية اللبنانية.

علماً أن المسؤولية الأساسية تقع على رئيس الجمهورية حيث يفترض، وفقاً للدستور، أن «یسهر (فخامته) على احترام الدستور» (المادة 49).

فماذا يقول الدستور؟

يذكر الدستور أن لبنان هو «عضو مؤسس وعامل في منظمة الأمم المتحدة وملتزم مواثيقها والإعلان العالمي لحقوق الإنسان وتجسّد الدولة هذه المبادئ في جميع الحقوق والمجالات دون استثناء» (الفقرة ب من مقدّمة الدستور).

يعني ذلك أنّ لبنان ملتزمٌ ميثاق الأمم المتحدة في جميع المجالات بما في ذلك السياسة الخارجية وموقف الدولة من الخطّة التي وضعها الرئيس الأميركي.

وماذا يقول ميثاق الأمم المتحدة؟

«تقوم الهيئة (هيئة الأمم المتحدة) على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضائها» (المادة الثانية). ولا شكّ أنّ خطّة ترامب التي رحّب بها الرئيسان تنتهك ذلك بوضوح حيث أنّ فلسطين هي اليوم دولة بكامل العضوية في الأمم المتحدة وأن قيام دولة أخرى بفرض سلطتها، ولو مؤقّتاً، على أي جزء من أراضيها، يعدّ انتهاكاً لمبدأ المساواة في السيادة.

لا بل إنّ تنصيب ترامب نفسه، مع رئيس الوزراء البريطاني السابق طوني بلير، في مجلس أعلى لإدارة شؤون قطاع غزة، هو سلوك استعماري كلاسيكي يعيدنا إلى حقبة ما قبل تأسيس هيئة الأمم المتحدة.

وإذا كانت هناك فعلاً نيّة صادقة لقيام حكم انتقالي في قطاع غزة كجزء من اقتراح حلّ، ففي الأمم المتحدة مجلس أنشئ منذ تأسيسها يعرف باسم «مجلس الوصاية» (المادة 7 من ميثاق الأمم المتحدة) كان يمكن اللجوء إليه في الخطّة.

وقد هدّد الرئيس ترامب بالويل والثبور وعظائم الأمور إذا رُفضت خطّته وكأنّ كلّ ما ارتكبه الكيان الإسرائيلي، بدعم أميركي مطلق، من جرائم وحشيّة بحقّ البشر في غزة، لم يكن كافياً.

وفي هذا الإطار، قد يكون مفيداً أن يتذكّر فخامة الرئيس عون ودولة الرئيس سلام ما ورد في المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة: «يمتنع أعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوّة أو استخدامها ضدّ سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة أو على أي وجه آخر لا يتّفقُ ومقاصد الأمم المتحدة».

خطّة ترامب لغزة تنزع السيادة الفلسطينية بالكامل عن الغزاويين وتحرمهم من حقّ تقرير مصيرهم وتحوّل أراضيهم إلى منطقة اقتصادية «يملكها ترامب» كما كان قد صرّح مراراً وتكراراً. وإذا نجحت هذه الخطّة في غزة ستشكّل سابقة يرجّح أن يعمل الأميركيون مع الإسرائيليين على فرضها على جنوب لبنان حيث أن المبعوثين الأميركيين كانوا قد تناولوا العناصر نفسها التي تتضمّنها بنود خطّة غزة خلال اجتماعاتهم في لبنان: منطقة اقتصادية في الجنوب، نزع سلاح المقاومة، إصلاحات،... إلخ.

لكن يبدو أنّ الرئيسين يرضخان لمشيئة إدارة الرئيس ترامب من دون إدراكهما أنها ستجلب المزيد من الحروب والخراب والانهيار للبنان ولكلّ الدول المجاورة للكيان الإسرائيلي.